ابن أبي الحديد

39

شرح نهج البلاغة

بتأليف القلوب وبالإخوة عدم الإحن والأحقاد بينهم ، بعد استعار نارها في الجاهلية ، وهذا أمر خارج عن حديث العزلة . واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وآله : ( المؤمن إلف ( 1 ) مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف ) ، وهذا أيضا ضعيف ، لان المراد منه ذم سوء الخلق والامر بالرفق والبشر ، فلا يدخل تحته الانسان الحسن الخلق الذي لو خولط لألف وألف ، وإنما يمنعه من المخالطة طلب السلامة من الناس . واحتجوا بقوله : ( من شق عصا المسلمين فقد خلع ربقة الاسلام عن عنقه ) ، وهذا ضعيف أيضا لأنه مختص بالبغاة والمارقين عن طاعة الامام ، فلا يتناول أهل العزلة الذين هم أهل طاعة للأئمة ، إلا أنهم لا يخالطون الناس . واحتجوا بنهيه صلى الله عليه وآله عن هجر الانسان أخاه فوق ثلاث ، وهذا ضعيف لان المراد منه النهى عن الغضب ، واللجاج ، وقطع الكلام والسلام لثوران الغليظ ، فهذا أمر خارج عن الباب الذي نحن فيه . واحتجوا بأن رجلا أتى جبلا يعبد فيه ، فجاء أهله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنهاه وقال له : إن صبر المسلم في بعض مواطن الجهاد يوما واحدا خير له من عبادة أربعين سنة . وهذا ضعيف ، لأنه إنما كان ذلك في ابتداء الاسلام والحث على جهاد المشركين . واحتجوا بما روى عنه صلى الله عليه وآله أنه قال : الشيطان ذئب ، والناس كالغنم يأخذ القاصية والشاذة ، إياكم والشعاب وعليكم بالعامة والجماعة والمساجد . وهذا ضعيف ، لان المراد به : من اعتزل الجماعة وخالفها .

--> ( 1 ) الألف : العشير المؤانس .